السيد محمد تقي المدرسي
379
من هدى القرآن
بينات من الآيات : ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون [ 78 ] عندما نصح المؤمنون من قوم موسى قارون ، بأن لا يفرح بماله ، وأن يسعى به نحو أهدافه الحقيقية ، وهو جعل الدنيا وسيلة للآخرة ، وليس هدفا بذاتها قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي الثروة كانت نتيجة لجهودي ، وبالتالي فليس لزاما أن تعطى في سبيل الله لأنها ليست من عنده ، هكذا لم ير أي أثر للغيب في حصوله على الثروة ، بل لم يجد الغيب قادرا على أن يذهب به وبثروته جميعا ، هكذا طغى ، وأضحى من الفرحين بما أوتي ، لقد كانت نفسه ضيقة غمرها حب الثروة ، فحجبها عن سائر الكمالات المعنوية ، بل وحجبه عن رؤية المستقبل ، واحتمال زوال هذه الثروة ، بل وهلاكه هو معها ، وحتى عن رؤية سائر نعم الله عليه التي لا أثر للثروة فيها . ويعالج القرآن هذه النفسية المريضة بتوسيع أفقها لتنظر إلى التأريخ ، ويتساءل أين أولئك الذين كانوا يملكون القوة والثروة ؟ ! . ويقول : أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنْ القُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً في الأنصار ، وَأَكْثَرُ جَمْعاً في المال ، وذلك بسبب فسادهم ، ولن يمنع الله الغنى أن يهلك أحدا . وَلا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمْ الْمُجْرِمُونَ البعض يتصور أن بإمكانه تبرير انحرافه ، ولكن حينما ينزل العذاب فليس ثمة مجال لسماع التبريرات . هكذا يكون السير في الأرض ، والنظر في عواقب الأمم الغابرة ، وزيارة المقابر ، ودراسة حياة الأثرياء والسلاطين الهالكين أفضل نجاة من غرور النعم وطغيانها . فخسفنا به وبداره الأرض [ 79 ] كان قارون يسعى لفرض سلطته على الناس من خلال ثروته ، مما كان يدفعه للتباهي والظهور بمظهر العظمة ، وقد ورد في الأخبار : « وَخَرَجَ عَلَى مُوسَى فِي زِينَتِهِ عَلَى بَغْلَةٍ شَهْبَاءَ وَمَعَهُ أَرْبَعَةُ آلَافِ مُقَاتِلٍ وَثَلَاثُمِائَةِ وَصِيفَةٍ عَلَيْهِنَّ الحُلِيُّ » « 1 » . وفي خبرثالث : « خَرَجَ عَلَى بَرَاذِينَ بِيضٍ عَلَيْهَا سُرُوج الأرْجُوَان وَعَلَيْهِمْ المُعَصْفَرَاتِ » « 2 » . فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ ولا شك أن في المجتمع من تقع هذه المناظر الدنيوية
--> ( 1 ) بحار الأنوار : ج 13 ، ص 253 . ( 2 ) بحار الأنوار : ج 13 ، ص 254 .